كشف الحجب عن ايزيس – العلم

عندما صدر كتاب “كشف الحجب عن إيزيس” لأول مرة عام 1877، أحدث صدمة فكرية في زمن كانت فيه الحدود بين الدين والعلم والفلسفة مرسومة بصرامة. الجزء الأول من هذا العمل، والمعنون بـ “العِلم”، يمثّل مواجهة مباشرة مع العقل العلمي السائد في القرن التاسع عشر، وهو العقل الذي كان يتباهى بفتوحاته التجريبية والتقنية لكنه، في نظر هيلينا بلافاتسكي، ظلّ قاصرًا عن إدراك البعد الروحي والميتافيزيقي للإنسان والكون.
في هذا الجزء، تنقد بلافاتسكي النزعة المادية التي سيطرت على العلوم الطبيعية والفكر الفلسفي في أوروبا. فهي ترى أن الاكتفاء بالتجريب المخبري وإقصاء ما يتجاوز الحواس يحرم الإنسان من فهم شامل للوجود. بالنسبة لها، العلم ليس عدوًا للدين أو الفلسفة، بل ينبغي أن يكون متكاملًا معهما، بحيث يشكّل الثلاثي معًا مدخلًا إلى “الحكمة الخالدة”. ومن هنا، فإن صفحات الكتاب مليئة بالجدل مع العلماء الوضعيين، واللاهوتيين التقليديين، على السواء.
تطرح بلافاتسكي في هذا الجزء فرضيات جريئة:
– أن الطبيعة ليست آلية صمّاء، بل كيان حيّ ذو أبعاد خفية لا يمكن إدراكها إلا بوسائل تتجاوز الملاحظة المباشرة.
– أن الإنسان يمتلك في داخله قدرات إدراكية كامنة، إذا ما نُميت، يمكن أن تتيح له رؤية طبقات من الواقع لا تراها الحواس العادية.
– أن العلوم القديمة، سواء الهندية أو المصرية أو اليونانية، كانت تحمل معارف لا تقل قيمة عن منجزات العلم الحديث، بل ربما تتفوّق عليها في بعض الجوانب المرتبطة بالروح والوعي.
ما يميّز “كشف الحجب عن إيزيس – الجزء الأول (العلم)” هو أنه لا يرفض العلم الحديث رفضًا مطلقًا، بل يكشف محدوديته حين يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. بلافاتسكي تذكّر القارئ أن كثيرًا من النظريات العلمية الراسخة في القرن التاسع عشر تهاوت لاحقًا مع تطوّر المعرفة، ما يثبت أن العلم نفسه كائن متغيّر، يحتاج باستمرار إلى الانفتاح على آفاق جديدة.
إلى جانب النقد، تقدّم الكاتبة قراءة بديلة تقوم على إعادة وصل العلم بالروح. فهي ترى أن ما تسميه “العلم الباطني” أو “الحكمة السرّية” ليس ضربًا من الخيال، بل هو امتداد طبيعي لمسار البحث الإنساني عن الحقيقة. وتضرب أمثلة من الفلسفة الشرقية، ومن تقاليد الغنوص، ومن علوم الطبيعة القديمة، لتبرهن أن هناك معرفة مكمِّلة يمكن أن تمنح العلم المعاصر أفقًا أوسع.
إن نشر هذا الجزء باللغة العربية اليوم يتيح للقارئ فرصة نادرة للتأمل في لحظة تأسيسية من تاريخ الفكر الحديث: اللحظة التي وقف فيها العلم والدين والفلسفة وجهاً لوجه، وظهرت الحاجة إلى حوار يتجاوز التخندق والقطيعة. فالكتاب لا يخاطب العلماء فقط، بل كل قارئ يسعى لفهم معنى الوجود، وموقع الإنسان بين الطبيعة والروح.
بلافاتسكي، بما تمتلكه من جرأة فكرية ورؤية كونية، لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل تحاول أن تؤسّس لنمط جديد من التفكير يجمع بين الصرامة العقلية والانفتاح الروحي. وهذا ما يجعل “كشف الحجب عن إيزيس – الجزء الأول: العلم” عملًا راهنًا رغم مرور أكثر من قرن على صدوره، إذ يذكّرنا بأن الحقيقة أكبر من أن تُختزل في معادلة أو نظرية، وأن البحث العلمي لا يكتمل إلا إذا أُضيء بنور الحكمة الكونية.
ولفهم قيمة هذا الكتاب، لا بد من التوقف عند شخصية مؤلفته: هيلينا بلافاتسكي (1831–1891)، المفكرة الروسية والرحّالة التي جابت الشرق والغرب بحثًا عن المعرفة الباطنية. ارتبط اسمها بتأسيس “الجمعية الثيوصوفية” في نيويورك عام 1875، وهي جمعية سعت إلى إيجاد جسر بين الفلسفات الشرقية والعلوم الغربية، وبين الدين والفكر الحديث. بلافاتسكي لم تكن كاتبة فحسب، بل شخصية إشكالية أثارت جدلًا عالميًا، إذ رآها البعض حكيمة وقائدة روحية، فيما اعتبرها آخرون مغامِرة أو حتى مثيرة للريبة. لكن ما لا يختلف عليه أحد هو أن أثرها على الفكر الغربي الحديث عميق ومستمر، وأن كتبها – وعلى رأسها “كشف الحجب عن ايزيس” – أسهمت في فتح أبواب جديدة أمام النقاش حول العلاقة بين العلم والروحانية والفلسفة.
منشورات ذات صلة
يناير 4, 2026
قوانين عالم الأرواح
كتاب قوانين عالم الأرواح هو واحد من الأعمال الروحانية التي أثارت جدلًا واسعًا…
أغسطس 26, 2025
متتلمذًا على يد معلّم من الهيمالايا
تبدأ القصة على الطريق إلى جبال الهيمالايا. صبي من كيرالا، مدفوع بفضول لا يهدأ…




