خط الغبار الذي يشبهني


كتاب خطّ الغبار الذي يشبهني، الصادر باسم الكاتب تيريسياس، مجموعة من النصوص النثرية القصيرة التي تمزج بين الشذرة والتأمل والحكاية المكثفة. تنطلق نصوصه من أشياء هامشية وتفاصيل تمرّ عادةً من دون انتباه، لتتأمل من خلالها الزمن والغياب والذاكرة وهشاشة الإنسان.

يحدّد الكتاب منذ مقدمته زاوية النظر التي ينطلق منها: «هذه ليست حكايات عن مصائر عظمى، بل عن أشياء تُرى من طرف العين ثم تُنسى». فالغبار المتراكم خلف خزانة، والبطارية الفارغة، والمسمار الذي لم تعد معلّقة عليه صورة، والشرخ في بلاطة الحمام، ليست مجرد تفاصيل منزلية عابرة، بل مداخل إلى أسئلة عن الزمن والفقد والمعنى والخوف من الزوال. يضع الكاتب هذه الأشياء في الضوء، لا لينقذها من النسيان، كما يقول، وإنما لتكشف ما نخفيه عن أنفسنا.

لكن الكتاب لا يبقى محصوراً في العالم الشخصي، إذ تتسع نصوصه تدريجياً لتشمل الأخبار والمؤسسات واللغة والأرشيف والوقائع التاريخية. ويستعيد أيضاً شخصيات معروفة، مثل نيلسون مانديلا ولويس برايل ويوهان سباستيان باخ، من دون أن يقدّم سيراً تاريخية مكتملة عنها، وإنما يعيد تخيّل لحظات محددة من حياتها، أو يرويها من وجهة نظر شخصيات بقيت عادةً خارج الصورة.

يتحرك خطّ الغبار الذي يشبهني بين الشذرة وقصيدة النثر والقصة القصيرة والتأمل الفلسفي. لغته مكثفة ومجازية، وتتكرر فيها ثيمات الأثر والانكسار والوظيفة والغياب والضوء والذاكرة. كما تحضر السخرية السوداء في نظرته إلى التكنولوجيا والبيروقراطية والمؤسسات الحديثة، وإلى الطرق التي تختصر بها الإنسان في رقم أو بطاقة أو ملف أو صلاحية مؤقتة للعبور.

في جوهره، يقترح الكتاب طريقة مختلفة للنظر إلى العالم: أن نراه من أطرافه، وأن ننتبه إلى من لم تُذكر أسماؤهم، وإلى الأشياء التي تسند حياتنا ثم نتخلّص منها عندما تفقد وظيفتها. لكن الكتاب لا يسعى إلى إقامة تماثيل جديدة للهامشيين، بل ربما إلى منح آثارهم لحظةً من الضوء قبل أن تعود إلى الاختفاء.

إنه كتاب عن الأشياء التي نسمّيها «لا شيء»، ثم نكتشف أنها كانت تحمل، بصمت، جانباً كبيراً من وجودنا.

منشورات ذات صلة

Privacy Preference Center

هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع تطوير. قم بالتبديل إلى مفتاح موقع إنتاجي لـ remove this banner.