وتستمر الرحلة


كتاب وتستمر الرحلة للكاتب والمعلم الروحي الهندي سري إم هو الجزء الثاني من سيرته المعروفة متتلمذاً على يد معلم في الهمالايا. يعود فيه الكاتب إلى محطات وتجارب لم يتناولها في الجزء الأول، ويوسّع حكايته عن سنوات التعلّم الروحي، ولقاءاته باليوغيين والمعلمين، والأسئلة التي رافقته في بحثه عن طبيعة الوعي وحدود التجربة الإنسانية.

لا يتبع الكتاب تسلسلاً زمنياً صارماً، بل يتألف من أربعة وعشرين فصلاً يمكن قراءة كل منها بصورة مستقلة. تتنقل الفصول بين ذكريات سري إم مع معلمه ماهيشوارناث باباجي، ولقاءاته بشخصيات روحية هندية، وحوارات حول اليوغا والتأمل والعقل والتانترا، إضافة إلى تجارب يصفها الكاتب بأنها تتجاوز الإدراك الحسي المعتاد، مثل الخروج من الجسد، والسفر عبر المكان والزمن، واستعادة مشاهد من حيوات سابقة.

يدرك سري إم أن بعض ما يرويه قد يبدو غريباً أو غير قابل للتصديق، ويقر منذ البداية بأن القارئ قد ينظر إليه بوصفه خيالاً أو مبالغة. لكنه لا يقدّم الكتاب بوصفه محاولة لإثبات الظواهر الخارقة علمياً، بل باعتباره شهادة شخصية غايتها فتح الذهن أمام إمكانات أخرى للوعي.

إلى جانب هذه الوقائع غير المألوفة، يحمل الكتاب جانباً تعليمياً واضحاً. ففي حواراته مع باباجي، يناقش سري إم طبيعة العقل، ومعنى التحرر، ودور المعلم، وممارسة اليوغا، والعلاقة بين الانضباط الروحي والحياة اليومية. ولا تُعرض القدرات الخارقة باعتبارها غاية الطريق، بل يُحذَّر مراراً من الانشغال بها أو تحويلها إلى وسيلة للاستعراض.

كما يقدّم وتستمر الرحلة أيضاً صورة واسعة عن تعدد التقاليد الروحية في الهند. يستحضر الكاتب شخصيات مثل راماكريشنا، ونيتياناندا، وساداشيفا براهمندرا، وداتاتريا، ويتوقف عند البوذية والتانترا ومفهوم الناسك المتحرر من القيود. لكنه لا يتعامل مع هذه التقاليد باعتبارها مذاهب مغلقة، بل يبحث عن التجربة الداخلية المشتركة بينها. وتنسجم هذه المقاربة مع سيرته الشخصية؛ فقد وُلد باسم ممتاز علي خان في أسرة مسلمة بولاية كيرالا، ثم اتجه منذ صغره إلى دراسة الفيدانتا واليوغا، وظل في كتاباته ومحاضراته مهتماً بالتصوف وبجوهر الديانات المختلفة.

وتبرز في الكتاب فكرة مركزية مفادها أن الطريق الروحي لا يقتضي الانفصال عن العالم. فبعد سنوات التجوال في الهيمالايا، عاد سري إم، بتوجيه من معلمه، إلى حياة عادية: عمل، وتزوج، وأنشأ أسرة، ثم بدأ مرحلة التعليم. لذلك يجمع الكتاب بين التجارب الصوفية والحياة العملية، ويؤكد إمكان أن يعيش الإنسان في العالم من دون أن يفقد صلته ببحثه الداخلي.

ويُختتم الكتاب بحديث عن «مسيرة الأمل» التي أطلقها سري إم عام 2015، وقطع خلالها مع المشاركين آلاف الكيلومترات من جنوب الهند إلى كشمير، حاملاً رسالة السلام والوئام بين الأديان والجماعات. وهكذا تنتقل الرحلة من بحث فردي عن الحقيقة إلى فعل اجتماعي يرى في خدمة الإنسان امتداداً ضرورياً للتجربة الروحية.

يمثل صدور وتستمر الرحلة بالعربية استكمالاً لتجربة بدأت في متتلمذاً على يد معلم في الهمالايا. إنه كتاب يخاطب القارئ المنفتح على أدب السيرة والتجارب الروحية، ويدعوه إلى التأمل في الوعي والعقل ومعنى أن يتحول البحث عن الذات إلى طريقة للعيش بين الآخرين.

منشورات ذات صلة

Privacy Preference Center

هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع تطوير. قم بالتبديل إلى مفتاح موقع إنتاجي لـ remove this banner.